عبد الله بن أحمد النسفي
255
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 92 إلى 93 ] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) الواو لتأكيد النفي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ معينين دافعين للعذاب . 92 - لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ لن تبلغوا حقيقة البرّ ولن « 1 » تكونوا أبرارا ، أو لن تنالوا برّ اللّه وهو ثوابه حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها ، وعن الحسن رحمه اللّه « 2 » : كلّ من تصدّق ابتغاء وجه اللّه بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية ، قال الواسطي « 3 » : الوصول إلى البرّ بإنفاق بعض المحابّ وإلى الربّ بالتخلي عن الكونين ، وقال أبو بكر الورّاق « 4 » : لن تنالوا برّي بكم إلا ببرّكم بإخوانكم ، والحاصل أنّه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب ، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها ، فقيل له : لم لا تتصدق بثمنها ؟ قال : لأنّ السكّر أحبّ إليّ فأردت أن أنفق مما أحب ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي هو عليم بكلّ شيء تنفقونه فمجازيكم « 5 » بحسبه ، ومن الأولى للتبعيض لقراءة عبد اللّه حتى تنفقوا بعض ما تحبون ، والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه . ولما قال « 6 » اليهود للنبي عليه السّلام إنّك تدّعي أنّك على ملّة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها ، فقال عليه السّلام : ( كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ) « 7 » فقالت اليهود إنّها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليه السّلام نزل تكذيبا لهم . 93 - كُلُّ الطَّعامِ أي المطعومات التي فيها النزاع فإنّ منها ما هو حرام قبل
--> ( 1 ) في ( ز ) أو لن . ( 2 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) . ( 3 ) الواسطي : هو محمد بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي ، أبو عبد اللّه ، من كبار علماء الكلام ، معتزلي ، توفي عام 307 ه وله مؤلفات ( الأعلام 6 / 132 ) . ( 4 ) أبو بكر الوراق : هو محمد بن عمر الوراق البلخي ، أبو بكر ، له الكتب في المعاملات ، أسند عنه الحديث أبو بكر بن أحمد بن سعيد وأحمد بن مزاحم وغيلان السمرقندي ومحمد بن محمد بن حاتم وغيرهم ( الحلية 10 / 235 ) . ( 5 ) في ( ظ ) و ( ز ) فيجازيكم . ( 6 ) في ( ظ ) و ( ز ) قالت . ( 7 ) ذكره البغوي والخازن وليس فيه : ( فنحن نحله ) .